أبي الفرج الأصفهاني
304
الأغاني
أن رجلا أنشد مصعب بن الزّبير قول جميل : ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت بالحجر يوم جلتها أمّ منظور فقال : لوددت أنّي عرفت كيف جلتها . فقيل له : إن أم منظور هذه حيّة . فكتب في حملها إليه مكرّمة فحملت إليه . فقال لها : أخبريني عن قول جميل : ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت بالحجر يوم جلتها أمّ منظور كيف كانت هذه الجلوة ؟ قالت [ 1 ] : ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفّاحة ، وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق . ومرّ بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخّر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا . فقال لها مصعب : فإنّي أقسم عليك / إلَّا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ، ففعلت : وركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخّر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع . زارها مرة متنكرا في زي سائل : أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بهلول عن بعض مشايخه : أنّ جميلا جاء إلى بثينة ليلة وقد أخذ ثياب راع لبعض الحيّ ، فوجد عندها ضيفانا لها ، فانتبذ ناحية ، فسألته : من أنت ؛ فقال : مسكين مكاتب [ 2 ] ، فجلس / وحده ، فعشّت ضيفانها وعشّته وحده . ثم جلست هي وجارية لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين . فقال جميل : واعدته مرة وأحس أهلها فمنعوها فقال في ذلك شعرا : هل البائس المقرور دان فمصطل من النار أو معطى لحافا فلابس فقالت لجاريتها : صوت جميل واللَّه ! اذهبي فانظري ! . فرجعت إليها فقالت : هو واللَّه جميل ! فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك ؟ فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت : احترق بردي ، فرجع القوم . وأرسلت جاريتها إلى جميل ، فجاءتها به ، فحبسته عندها ثلاث ليال ، ثم سلَّم عليها وخرج . وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم : كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع ، فأتى لوعدها . وجاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه وقروه ، فقال لهم : إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلَّوا [ 3 ] بعض إبلكم . فعرفوا أنه جميل وصاحباه ، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده . فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيّىء الظنّ بها ورجع إلى أهله ، فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك ويقلن له : إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر ، وغيرها أولى بوصلك منها ، كما أن غيرك يحظى بها . فقال في ذلك : أبثين إنك قد ملكت فأسجحي وخذي بحظَّك من كريم واصل
--> [ 1 ] في الأصول : « قال » وهو تحريف . [ 2 ] المكاتبة : أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجما ، فإذا أداه صار حرا . [ 3 ] السل : انتزاع الشيء واغتصابه .